القشة

كتبهاد. أحمد مراد ، في 26 نوفمبر 2007 الساعة: 14:30 م

 

القشــة .. قصة قصيرة

هذا المرض داهمني وافترسني فجأة .. وبدون أي إنذار ..

كنت في عملي المعتاد بتلك المصلحة الحكومية صباحا .. وشعرت ببعض الدوار ظننت أنه ناتج عن عدم تناولي لوجبة الإفطار في ذلك اليوم .. فطلبت كوبا من الشاي عله يعطيني قليلا من الطاقة التي أنا في حاجة إليها ..

ولكن زاد الدوار عن حده وبسرعة وفجأة غابت عني الدنيا ولم أفق سوي وأنا بإحدى المستشفيات الحكومية وحولي زوجتي وولدي الكبير .. كانت زوجتي باكية وولدي واجما .. سألتهم بوهن ما الخطب .. فانطلقت أساريرهم وطمئنوني بأني بخير مجرد ضعف بسبب الجهد الزائد الذي أبذله في عملي الليلي بجوار عملي الحكومي صباحا ..

نعم .. يجب أن أفعل هذا .. تكاليف الحياة التي يزداد فيه ثمن كل شيء إلا الإنسان .. كيف أستطيع تربية أولادي وتوفير احتياجاتهم كي يتموا تعليمهم ويخرجوا لمعترك الحياة وقد تسلحوا بوظيفة أو وضع اجتماعي يغنيهم عن السؤال ويكفيهم المرارة الذي تذوقتها طوال حياتي .. حتما لابد من الجهد الزائد ..

فلا مورد رزق لنا سوي عملي هذا .. وراتب الوظيفة الحكومية لا يغني ولا يسمن من جوع ..

أخبرتهم برغبتي في الانصراف من هذه المستشفي ما دام الوضع الصحي ليس بسيئ .. ولكنهم اخبروني بأن الأطباء أصروا على عمل بعض التحاليل والفحوصات اطمئنانا عليّ ..

تسرب القلق لصدري بمجرد علمي بذلك ..

ما معني هذا ؟!! .. لو كان الأمر بسيطا ما استلزم كل تلك التحاليل ..

ما سر بكاء زوجتي ووجوم ولدي ؟؟ ..

حتما هو مرض خطير ويريدون تهوين الأمر علي ..

أعلم هذا ..

أعلم أن حياتي كلها سلسلة من المصائب والابتلاءات ..

وهاأنذا بعد أن اقتربت من تحقيق حلمي بتعليم أبنائي وتهيئة المستقبل لهم  يداهمني مرض خطير ليقضي علي ويحطم كل ما كنت أصبو إليه ..

حتما ولدي هذا سيترك تعليمه الثانوي بعد وفاتي ليعمل ويتحمل أعباء الأسرة من بعدي .. بل قد يفعل أخواه مثله .. وقد تبحث زوجتي عن عمل يناسبها لتحصل على ما يساعدهم من الرزق .. والله أعلم ما الذي ستتعرض له ..

وابنتي .. لن تكون تلك البنت الكريمة التي كنت أخطط لها .. بل ستصبح فتاة معدمة وقد لا تنل حظا من التعليم ..

تملكتني كل الخواطر السوداء ولم أستطع وقف زحفها على خيالي وعقلي وسيطرتها الكاملة عليهم ..

ولم استطع أن أفه بحرف بعد ذلك .. وهم كذلك صمتوا وكأنهم قد أيقنوا بأني قد علمت كل شيء ..

وفي اليوم الثاني كان المفترض أن تظهر نتيجة تلك التحاليل لتحدد ما بقي لي من العمر لأواجه ذلك المرض الرهيب المفترس والذي بالطبع كعادتي في كل شيء لن أجابهه بضعفي ..

كان الأطباء حولي أثناء مرورهم الصباحي لتفقد المرضي

أخذوا يتناقشون بلغتهم التي لا هي عربية ولا إنجليزية  وإنما خليط غريب من هذا على ذاك ..

لم استطع فهم أي شيء من كلامهم .. سوي .. قد نعطيه ..

وقد يستجيب لــ .. والأفضل أن يسير على ..

كلها جمل مبتورة إنما إيحائها واضح جلي .. الحالة مستعصية ..

وترك أحدهم ورقة بها نتائج الفحوصات والتحاليل الخاصة بي وأخذ يفحصني بيده وسماعته .. وعندما خرجوا نسي ورقته هذه ..

فأخذتها وقمت بإخفائها لأعلم منها بالضبط ما وضعي الصحي ..

لست أدري لماذا يصر أطبائنا على معاملتنا على أساس أننا ناقصي الأهلية .. تسأل أحدهم ما بي يا دكتور يبتسم ابتسامة بلهاء ويقول .. سوف تكون بخير اطمئن ..

..

أخذت أسأل كل من معي في الحجرة من المرضي .. هل منكم من يجيد الإنجليزية ..

وبالطبع لا ..

ولحسن حظي زارني قريب لي يعمل بإحدى الصيدليات ويجيد قراءة أسماء الأدوية باللغة الإنجليزية .. وبالطبع سيعلم ما اسم المرض الذي أعاني منه ..

أعطيته الورقة وسألته ما بها ..

قرأها  وهو يعقد حاجبيه مرارا وتكرارا ..

وأخيرا نظر نحوي وقال لي .. هل أعلمك الأطباء بما بها ؟؟

قلت له نعم .. أريد فقط أن أعلم مدي تدهور الحالة ..

مط شفتيه وقال ..

.. (( أعتقد أن سرطان الدم وصل لدرجة لا رجوع منها  فأنت تعاني من أخطر أنواعه .. ))

نعم .. كنت أعلم هذا ..

شعرت بوخز رهيب في صدري وثقل لا مثيل له يكبل أنفاسي ..

ولم أعد أعلم ما بقية حواره ..

ألقي بالورقة علي المنضدة المجاورة لي وأخذ يسألني في فزع ما بي ولما تغيرت بهذه السرعة .. ولكن أنفاسي المتقطعة لم تسعفني لأن أعبر بحرف واحد ..

وشعرت بألم يعصر ساعدي الأيسر ويكبل كتفي ..

دخل الطبيب مسرعا .. فور أن استدعاه الزائر المرافق للمريض .. وحاول إسعاف الرجل  بشتى الطرق  .. وضع كمامة الأكسجين على أنفه وفمه وحقنه بعقاقير شتى وبسرعة وحاول تدليك القلب .. بل حاول أن يمنحه تنفس صناعي ..

ولكن كانت روحه قد فاضت إلى بارئها ..

كان الطبيب يلفه الذهول وهو يسأل في جنون ..

.. ((  ما الذي حدث ؟!! ))

أخبره الزائر قائلا ..

.. (( لست أدري منذ أن أخبرته بمدي إصابته بسرطان الدم .. وفجأة ازرق وجهه واعتصر بالآلام ولم أدري ما الذي يحدث ))

قال الطبيب بدهشة ..

(( .. سرطان الدم .. أي سرطان هذا الذي تتحدث عنه .. الرجل لا يعاني سوي فقر الدم فقط وذلك لسوء التغذية .. ))

قال الزائر في حيرة ..

(( ها هي نتيجة تحاليله التي قرأتها له .. ))

تناول الطبيب الورقة في حيرة وذهول وأمسك برأسه وقد بدأ يلفه الدوار  وقال بشحوب ..

(( يا رب العالمين .. إنها لا تخص الرجل إنها لشخص آخر وقد نسيتها هنا صباحا .. )) ..

..

تمـــت بحمد الله

بقلم الدكتور / أحمد مراد

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدبي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

10 تعليق على “القشة”

  1. احد العيوب الاساسية فى العلاج فى بلادنا عدم مصداقية الطبيب مع المريض ، مبررا بقلة وعى المريض و انه قد يتاثر سلبا لو اصدقه القول . اذا كان الخوف على شعور المريض فالافضل ان يسند ذلك للارشاد النفسى فى المستشفى و يعين اناس متخصصين فى الارشاد النفسى بحيث يتقنون فن الحديث و نقل المعلومة الى المريض و ذويه .

  2. الاخ الكريم د// احمد مراد

    عن العلاقه بين الطبيب و المريض فهي مشوهه الي حد كبير

    و دائما يأخذها الطبيب انها الصراع بين الجهل و العلم

    و هناك ما كتبته عن الدواء و المرض

    اهديه اليك

    ————————————

    ادي المرض و الدوا

    اعدين بيتخانقو

    واختارو جتت بشر

    عليها يتراهنو

    جالو المرض في الميعاد

    قام الدوا يقابله

    راح الدوا يتعاد

    فرغ البشر اجله

    رجع الدوا للبشر

    و بكل غيظ ساله

    عياري كانله حساب

    ليه تبلبعه كله

    لو كنت غاوي غياب

    ايه ذنبي انا ادفعله

    ———————————-

    لقد جئت هنا بناء علي ادراج الاستاذ محمد حماد

    و اعلم انه لا يؤيد الا من كانت له من الموهبه الكثير

    و لقد و جدت عندك ما سيجعلني اعاود الزياره مره اخرى

    تحياتي

  3. الاستاذ احمد مراد

    الدكتور فى بلدنا اصبح كالتاجر

    يقلب بين دفاتره حتى يجمع اكبر قدر من المال

    واااه على المستشفيات الخاصة

    وما بها من جهابذة

    يحاولون اخراج مابجيبك باى وسيلة

    فى زمننا هذا لم يعد هناك صدق

    فى اى شىء

    حتى من المفتى

    ههههههههههههه

    مصرىىىىىىىىىىىىىىىىىىىىى

  4. زيارتك لمدونتي المتواضعة اثلج صدري وكلماتك التي لا استحقها وسام علي صدري ….

    أشكرك علي مرورك …. وهناك إدراج الآن علي مدونتي للكبار فقط … وممنوع دخول مرضي القلب … كما أن إمتحان أول الشهر يوم السبت القادم …. برجاء الحضور للمدونة بزي المدرسة والساندوتشات بس تكون عيش فينو لإن عيش الفقراء في مصر سيختفي قريباً فلا بقاء لمصري فقير .. البقاء للأغنياء فقط وليذهب ..يدوبك 90 % من الشعب للجحيم ..!!!

  5. الأخ احمد الكندري

    كان الطبيب قديما يطلق عليه لقب حكيم

    حين كان كل كلامه ينبض بالحكمة ..

    ومن المفترض أننا درسنا طب النفس خصيصا للتعامل السليم مع المرضى وليس لمعالجة المخابيل فقط ..

    ولكن بكل أسف حياتنا المادية الحالية جعلت السعي وراء القرش اهم آلاف المرات من الحكمة التي كنا نتصف بها قديما

  6. الأستاذ الفاضل محمد الناصري

    حتما شرفت بمرورك الطيبالجميل على مدونتي المتواضعة

    وتعليق أستاذي الفاضل محمد حماد عنها حقيقة شرف لا أستحقه

    فقد وضعني في مأزق خطير بأن أظهر مدي قزامتي بجواركم انتم العمالقة

    سعدت جدا بتعليقك .. وبكلماتك الرائعة ..

    وتعليقي عليها ألا تعليق..

  7. أخي العزيز عماد

    ليس الطبيب وحده

    وإنما حياتنا التي تحورت وتشوهت بسبب المآسي الاجتماعية والسياسية التي نكتوي بها هي التي غيرت الجميع وبدلت كل جميل لدينا

  8. أستاذي العزيز والجميل هيثم أبو خليل

    والله مرورك الثاني على مدونتي حقا أثلج صدري

    ومدونتك سيدي الفاضل أصبحت اول موطأ قدم اخطو فيه على مكتوب

    وبدون أن تذكرني

    جزاك الله خيرا

  9. ماذا لو نتخلص من تلك العاطفة القاتلة … عندنا في مصر عاطفة تنشيء بين الطبيب والمريض وهذه العاطفة عاطفة قاتلة لأنها قد تقتله يوماً … الطبيب في معظم الأوقات لا يصارح مريضه بمرضه ووقتها لا يهتم المريض بمرضه لأنه لا يعلمه … أبدعت يا دكتور بتلك الحالة الإنسانية التي أوجدتها …

    أدعوك لزيارة مدونتي المتواضعة

    حمادة زيدان

  10. الاستاذ العزيز حمادة

    شرفت بمرورك الطيب

    العاطفة مطلوبة بينهما حتى لا تتحو ل كما علاقة الميكانيكي بالسيارة مجرد اصلاح لما شابها وفقط ..

    ولكن يجب أن تتسم بالحمكة التي كان يتصف بها الأطباء قديما

    وأشرف طبعا بمروري على مدونتك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر